
مع احتدام الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، تجد أوروبا نفسها أمام اختبار صعب في وقت تبدو فيه عاجزة عن صياغة موقف موحد تجاه الصراع المتصاعد في الشرق الأوسط. فالتطورات العسكرية التي تتسارع في المنطقة لم تعد بعيدة عن القارة الأوروبية، خاصة بعد وصول بعض الهجمات إلى مواقع مرتبطة بدول أوروبية، ما يثير تساؤلات حول قدرة الاتحاد الأوروبي على الاستمرار في الوقوف على هامش الأزمة.
وقد دعا الاتحاد الأوروبي إلى جانب بريطانيا إلى احترام القانون الدولي، كما وجّه انتقادات للنظام الإيراني ، غير أن هذه المواقف لم تتحول حتى الآن إلى استراتيجية مشتركة واضحة، إذ تبدو الدول الأوروبية منقسمة بشأن كيفية التعامل مع الحرب.
ويأتي هذا التردد في وقت تتزايد فيه المخاوف من تداعيات الصراع على أمن القارة، خاصة بعد الهجوم بطائرات مسيّرة الذي استهدف قاعدة جوية بريطانية في جزيرة قبرص، وهي أراضٍ تابعة لدولة عضو في الاتحاد الأوروبي. كما شهدت المنطقة هجمات استهدفت منشآت في دول الخليج، ما يثير القلق من اتساع رقعة المواجهة.
استراتيجية دفاعية بدل التدخل
ويرى عدد من الخبراء أن أوروبا تميل حالياً إلى تبني استراتيجية دفاعية تركز على حماية أراضيها وحلفائها بدلاً من الانخراط العسكري المباشر في الحرب.
وفي هذا السياق، قال كورنيليوس أديبار من “الجمعية الألمانية للسياسة الخارجية” إن دول الاتحاد الأوروبي إلى جانب بريطانيا متفقة على اتخاذ إجراءات دفاعية إذا تعرضت أي دولة أوروبية لهجوم، كما أنها مستعدة لدعم دول الخليج عند الحاجة.
وأوضح في حديثه لـDW أن الانقسام داخل أوروبا يتمحور حول أهداف الحرب التي أعلنها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وكذلك حول حجم الدعم الذي ينبغي تقديمه للعمليات العسكرية الأمريكية ضد إيران.
وأضاف أديبار أن من غير المتوقع ظهور موقف أوروبي موحد تجاه الحرب، مشيراً إلى أن أياً من الدول الأوروبية لا يعتزم الانخراط مباشرة في العمليات العسكرية إلى جانب الولايات المتحدة أو إسرائيل.
ضغوط أمريكية متزايدة
في المقابل، تواصل واشنطن ممارسة ضغوط على حلفائها الأوروبيين لدعم الحرب.
فقد حذرت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت من أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يتوقع من جميع الحلفاء الأوروبيين دعم العمليات العسكرية التي تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.
وبحسب ليفيت، فإن الهدف من هذه الحرب يتمثل في “إسقاط النظام الإيراني الذي يشكل تهديداً ليس للولايات المتحدة فحسب، بل أيضاً لحلفائها الأوروبيين”.
وكان ترامب قد عبّر في وقت سابق عن استيائه من تأخر الدعم الأوروبي، منتقداً ما اعتبره تردداً لدى بعض العواصم الأوروبية.
مواقف أوروبية متباينة
ورغم أن بريطانيا لم تعد عضواً في الاتحاد الأوروبي، فإنها تظل لاعباً محورياً في ما يُعرف بمجموعة “E3”، التي تضم ألمانيا وفرنسا وبريطانيا، وهي الدول الثلاث التي شاركت في التوقيع على الاتفاق النووي الإيراني إلى جانب الولايات المتحدة، كما تعد من أبرز مهندسي سياسة الاتحاد الأوروبي تجاه إيران.
وفي واشنطن، حظي المستشار الألماني فريدريش ميرتس بإشادة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال زيارته للبيت الأبيض. فقد وصف ترامب ميرتس بأنه “قائد ممتاز”، مشيداً بدعمه لهدف إسقاط ما وصفه بـ”النظام الرهيب” في إيران، وبسماحه للقوات الأمريكية باستخدام قاعدة رامشتاين الجوية في ألمانيا.
أما فرنسا، فقد اتخذت موقفاً أكثر حذراً، إذ سمحت باريس بهبوط مؤقت للطائرات الأمريكية في بعض القواعد العسكرية الفرنسية، لكنها حصلت على ضمانات بأن هذه الطائرات لن تستخدم لشن هجمات على إيران، بل ستقتصر مهمتها على دعم الدفاع عن شركاء المنطقة، وفق ما نقلته وكالة رويترز عن مسؤول فرنسي.
وفي إيطاليا، أعلنت رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني أن روما لم تتلق حتى الآن طلباً من الولايات المتحدة لاستخدام قواعدها العسكرية، لكنها أشارت إلى أن بلادها قد تقدم أنظمة دفاع جوي لدول الخليج في حال تصاعدت التهديدات.
ويرى الباحث أنطونيو جيوستوتسي من معهد “روسي” للدراسات الأمنية في لندن لـ DW أن السماح باستخدام القواعد الأوروبية بشكل محدود يمثل نوعاً من التسوية تحت ضغط أمريكي للقيام بخطوة ما دون الانخراط المباشر في الحرب.
تهديدات أمنية مباشرة
ويرى بعض الخبراء أن طهران تسعى إلى توسيع نطاق المواجهة إلى ما هو أبعد من الشرق الأوسط. وفي هذا السياق قال الباحث تريتا بارسي من معهد “كوينسي” في واشنطن إن إيران تدرك أن استهداف قاعدة بريطانية في قبرص يعني عملياً مهاجمة أراضٍ تابعة لدولة عضو في الاتحاد الأوروبي.
وأضاف أن إيران تبدو مصممة على توسيع نطاق الحرب إلى ما يتجاوز دول الخليج، مشيراً إلى هجوم استهدف قاعدة فرنسية في دولة الإمارات العربية المتحدة. واعتبر أن طهران قد ترى أن إنهاء الحرب يتطلب أن “تدفع أوروبا أيضاً ثمناً”.
من جهته حذر الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته من أن إيران تمثل تهديداً ليس لإسرائيل فقط بل أيضاً لأوروبا، واصفاً طهران بأنها “مصدّر للفوضى”، ومتهماً إياها بالمسؤولية عن هجمات إرهابية ومحاولات اغتيال، بما في ذلك عمليات استهدفت أشخاصاً على الأراضي الأوروبية.
تداعيات اقتصادية وأمنية
ولا تقتصر المخاوف الأوروبية على التهديدات الأمنية، بل تشمل أيضاً التداعيات الاقتصادية للحرب. فالتصعيد العسكري في المنطقة يثير قلقاً متزايداً بشأن ارتفاع أسعار الطاقة، خصوصاً في حال تأثر حركة الملاحة في الخليج ومضيق هرمز، أحد أهم ممرات النفط في العالم.
كما تخشى العواصم الأوروبية من احتمال تدفق موجات هجرة جديدة من إيران عبر تركيا نحو أوروبا إذا استمرت الحرب لفترة طويلة. وقالت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس إن الاتحاد لا يواجه حالياً ضغطاً كبيراً من حيث الهجرة، لكنه يجب أن يكون مستعداً لأي سيناريو إذا استمر الصراع.
ويرى بعض الخبراء أن الخطر على أوروبا قد يتضاعف إذا قررت الدول الأوروبية الانخراط بشكل مباشر في الحرب. وقال جيوستوتسي إن مشاركة أوروبا في الصراع قد تحولها إلى هدف مباشر لإيران، وهو احتمال يثير مخاوف خاصة لدى بريطانيا وفرنسا.
وفي الوقت نفسه يواجه الاتحاد الأوروبي تحدياً آخر يتمثل في انعكاسات الحرب على أوكرانيا. فقد حذرت كالاس من أن الحرب في الشرق الأوسط قد تؤثر على دعم كييف، إذ أن بعض المعدات العسكرية التي كان يفترض استخدامها في مواجهة روسيا، مثل أنظمة الدفاع الجوي، يجري تحويلها إلى الشرق الأوسط.
كما أشارت إلى أن ارتفاع أسعار النفط أو تراجع إنتاج دول الخليج قد يمنح روسيا فرصة لزيادة مبيعات نفطها في الأسواق العالمية، ما قد يعزز الموارد المالية لموسكو ويساعدها على تمويل حربها ضد أوكرانيا.
وفي ظل هذه المعطيات، يجد الاتحاد الأوروبي نفسه أمام معادلة معقدة: فالحرب التي تدور بعيداً عن حدوده قد تتحول بسرعة إلى أزمة تمس أمنه واقتصاده واستقراره السياسي.
أعده للعربية: علاء جمعة
Source link



