
تغيّرت السلطة في شمال شرق سوريا: حيث دخلت يوم الاثنين (الثاني من شباط/ فبراير 2026) القوات التابعة للحكومة المركزية في دمشق، مع نحو مائة موظف من وزارة الداخلية السورية، أجزاءً من مدينة الحسكة، التي كانت تسيطر عليها في السابق القوات الكردية. وهذا ما ينص عليه أيضًا اتفاق عقده يوم الجمعة السابق الجيش السوري مع قوات سوريا الديمقراطية (قسد) ذات الأغلبية الكردية. وكانت قسد حتى ذلك تحكم المنطقة بمفردها، ولكنها تقهقرت وضعفت بشدة في الاشتباكات العسكرية مع الحكومة المركزية.
ويهدف هذا الاتفاق، كما جاء فيه، إلى “توحيد الأراضي السورية”. وفي الوقت نفسه سيتم البدء في “عملية دمج تدريجي” للقوات الكردية والهياكل الإدارية ضمن الدولة السورية. وقوبل الاتفاق بترحيب واسع، خاصة في دمشق، حيث يسود شعور واضح بالانتصار.
ويصف الجيش السوري الاتفاق ودخوله الآن المناطق التي كانت خاضعة لسيطرة قسد كنقطة تحوّل تاريخي. وقد أعلن الجيش في بيان نقلته وكالات الأنباء أنَّ وجود القوات الحكومية يمثل “نهاية حكم الإدارة الذاتية وبداية عهد جديد لسوريا موحدة”. وبذلك يبدو أنَّ حلم الأكراد بحكم ذاتي كامل ودائم سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا في شمال شرق سوريا – الذي غالبًا ما يطلق عليه الأكراد اسم روج آفا – قد انتهى بوضوح.
مشاعر مختلطة
وبناءً على ذلك تختلط المشاعر لدى أهالي الحسكة. فهذه المدينة لا يعيش فيها أكراد فقط، بل يعيش فيها أيضًا الكثير من العرب إلى جانب مجموعات عرقية أخرى. ودعمت ميليشيات العشائر العربية مؤخرًا الحكومة السورية في حربها ضد الأكراد، بعد تعاونها مع الأكراد طيلة سنين، وذلك في نظام حكم ذاتي تسيطر عليه القوات الكردية بحكم الأمر الواقع ونشأ خلال الحرب الأهلية السورية. ولكن الآن كانت الفرحة بتغيير السلطة واضحة: حيث استقبل أفراد من العشائر العربية القوات الحكومية بإطلاق الرصاص في الهواء تعبيرًا عن فرحهم بوصولها، كما ذكرت وكالات الأنباء.
وعلى الأرجح أنَّ هذه الفرحة لا يشاركهم فيها الكثير من الأكراد، لأنَّهم يعتبرون خاسرين في التطورات الأخيرة. وعلى الرغم من أنَّ القوات الحكومية يجب ألا تدخل بحسب الاتفاق إلى المناطق ذات الأغلبية الكردية، ولكن من المقرر أن تتولى وحدات صغيرة من قوات الأمن التابعة لوزارة الداخلية تأمين المؤسسات الحكومية، مثل دائرة الأحوال المدنية والجوازات والمطار واستئناف عملها في مدن مثل الحسكة والقامشلي. وفي المقابل يخشى الأكراد من أن يفقدوا على الأقل جزءًا كبيرًا من حقوقهم السابقة أو حتى من تعرضهم للقمع والاضطهاد من جديد بعد سنين من الإدارة الذاتية.
فقدان الإدارة الذاتية والسلطة
في الواقع من المحتمل أن يفقد الأكراد أجزاءً كبيرة من إدارتهم الذاتية، كما قالت في حوار مع DW الباحثة السياسة بينتي شيلر، وهي خبيرة في شؤون سوريا لدى مؤسسة هاينريش بول الألمانية. وأضافت أنَّ المنطقة التي يسيطر عليها الأكراد تقلصت مساحتها بشكل ملحوظ: “وأخشى من تأثير هذا أيضًا على التطورات المستقبلية. وذلك لأنَّ هذا الاتفاق تم عقده تحت ضغط عسكري من القوات الحكومية”. والإدارة الذاتية الكردية “تقلصت إلى مناطق صغيرة جدًا”، على الأرجح أن تضطر في المفاوضات المستقبلية ” إلى تقديم المزيد من التنازلات”، كما تقول خبيرة الشرق الأوسط بينتي شيلر.
والأكراد لديهم الآن فرصة نادرة للاستمرار في تمثيل مصالحهم، كما يكتب المحلل السياسي محسن المصطفى في مقال له بمجلة “سوريا المتجدّدة”. ويضيف أنَّ هذه الفرصة تكمن في التمثيل البرلماني: “الانتقال الحاسم من منطق الميليشيات المسلحة إلى الانخراط السياسي والتعددية ضمن إطار دستوري”.
ومن الممكن أن يعزز ذلك التعددية في سوريا ويؤدي إلى اندماج الأكراد ومشاركتهم الفعالة في سوريا الجديدة. ومثل هذا الاندماج سيكون أيضًا “منسجمًا مع مطالبهم الحقوقية التي بدأت الدولة الاستجابة لها عبر قرارات وإعلانات رئاسية (لغة، ثقافة، مواطنة)”. والأكراد سيتبعون بذلك “منطق الدولة الواحدة، لا ‘الكانتون‘ المسلح”، كما يرد في تعليق محسن المصطفى، الذي يعكس في هذه النقطة موقف الحكومة الانتقالية.
السيطرة على الموارد
وعلى العموم توجد بالنسبة للأكراد مخاطر كثيرة، كما تقول أيضًا الخبيرة بينتي شيلر. وهذا يتوقف أيضًا على كيفية إدارة سوريا وحكمها في المستقبل. “فقد كان يجب على الأكراد في عهد الأسد تسليم الكثير من الموارد الموجودة في مناطقهم إلى مناطق سورية أخرى. ومن الممكن بطبيعة الحال أن يتكرر ذلك في المستقبل أيضًا”.
وتضيف الخبيرة شيلر أنَّ هذا ينطبق مثلًا على الموارد المائية. وأنَّ دمشق مثلًا ستسيطر على أهم سد في سوريا، أي سد تشرين. وبناءً على ذلك ستصبح مسألة إمدادات المياه في المستقبل مسألة حرجة بالنسبة للأكراد بعد فقدانهم السلطة.
خيبة أمل الأكراد في الولايات المتحدة الأمريكية
وهذا الاتفاق قد تكون له أيضًا تداعيات على السياسة الخارجية، كما ورد في تحليل من مركز أبحاث ستيمسون الأمريكي. على الرغم من حقيقة أنَّ الولايات المتحدة الأمريكية لم تدعم الأكراد، الشركاء القدامى في محاربة الإرهاب، واعتمادها بشكل كبير على الحكومة الانتقالية الجديدة، لا يعني بالضرورة القطيعة التامة. ولكن هذا يجبر الأكراد على إعادة تقييم موقفهم بواقعية”. وفي المقابل من الممكن أن تخسر الولايات المتحدة الأمريكية بسبب تغيير مسارها شريكًا موثوقًا به في محاربة الإرهاب.
مستقبل غامض
ويبدو من غير الواضح حتى الآن كيف ستسير الأمور. وربما يُثبت الاتفاق بين الأكراد والحكومة المركزية، والذي تم التوصل إليه تحت ضغط عسكري، أنَّه فرصة لاندماج دائم. ولكنه قد يفشل في نهاية المطاف مرة أخرى بسبب اختلاف تصورات الطرفين، كما يرد في تحليل من مجلة “ليفانت 24”. وبحسب هذا التحليل فمن غير الواضح حاليًا “إن كان هذا الاتفاق يمثل نقطة تحول حقيقية أو مجرد هدنة هشة أخرى في الصراع السوري الطويل”.
تفاؤل وجوانب إيجابية
وفي المقابل خبيرة الشرق الأوسط بينتي شيلر متفائلة أكثر. وتعتقد أنَّ مجال التفاوض المتاح للأكراد محدود في الواقع، ولكن الاتفاق يراعي المطالب الكردية الرئيسية: “التي تشمل مثلًا أن يكون نائب وزير الدفاع من صفوف الأكراد. وهذا ينطبق على أنَّ منصب المحافظ يتم منحه أيضًا لشخص كردي”. وكذلك يحترم الاتفاق حقوق الأكراد اللغوية والثقافية، كما تقول شيلر: “يبدو لي أنَّ حكومة دمشق تريد أن ترسل إشارة جادة تفيد بأنَّ سوريا الجديدة ستشمل جميع المجموعات العرقية والدينية”.
أعده للعربية: رائد الباش
تحرير: عادل الشروعات
Source link



