أخبار العالم

فضل محمد خير :بعد استهداف “دييغو غارسيا”.. هل تهدد صواريخ إيران أوروبا؟

أكد مصدر رسمي بريطاني لوكالة فرانس برس أمس السبت (21 مارس/آذار 2026) أن إيران حاولت “من دون جدوى” قبل أمس الجمعة، توجيه ضربة إلى قاعدة دييغو غارسيا الأمريكية البريطانية في المحيط الهندي، وهي إحدى قاعدتين سمحت لندن لواشنطن باستخدامهما في عمليات “دفاعية” في إيران، قبل أن تسمح لها (الجمعة) بشن هجمات على مواقع صواريخ إيرانية.

وأطلقت إيران صاروخين باليستيين نحو قاعدة دييغو غارسيا في المحيط الهندي على مسافة نحو أربعة آلاف كيلومتر، في خطوة رأى فيها خبراء محاولة لإظهار الاحتفاظ بقدرات استراتيجية رغم الحرب الأمريكية‑الإسرائيلية المستمرة منذ 28 فبراير/شباط 2026. وقد فاجأ الإطلاق محللين كانوا يقدِّرون مدى الصواريخ الإيرانية بأنه لا يتجاوز ثلاثة آلاف كيلومتر.

وأكد المصدر الرسمي البريطاني أن المحاولة فشلت، لكن قيمتها الأساسية تكمن في رمزيتها. فالقاعدة، التي تستخدمها القوات الأمريكية بدعم من بريطانيا، تُعد هدفا بعيدا يهدف استهدافه إلى إرسال رسالة مباشرة بأن قدرات الردع الإيرانية لا تزال قائمة.

تفسير المدى الجديد للصواريخ

يشير إتيان ماركوز، الباحث في مؤسسة البحث الاستراتيجي الفرنسية، إلى أن الإطلاق نحو مسافة أربعة آلاف كيلومتر “حدث لافت”، لأنه يتجاوز المدى الأقصى المعروف للصواريخ الإيرانية. ويرجِّح أن تكون إيران استخدمت نسخة خفيفة الرأس من صاروخ “خرمشهر‑4″، إذ يؤدي تخفيف حمولة الرأس الحربي إلى زيادة المدى.

ويوافقه الرأي علي واعظ، مدير برنامج إيران في “مجموعة الأزمات الدولية”، موضحا أن طهران تستطيع تعديل وزن الرؤوس الحربية لزيادة المدى، وفق ما نقلت وكالة أ ف ب. في المقابل، يشير وم شارب، الباحث في المعهد الملكي للخدمات المتحدة البريطاني، إلى احتمال أن إيران طورت سرا صواريخ أبعد مدى لم تكشف عنها سابقا، وفق ما نقلت الوكالة نفسها.

هل تهاجم إيران أوروبا؟

ويتساءل الباحث الفرنسي إتيان ماركوز في حسابه على موقع إكس عن المصلحة التي قد تدفع إيران لمهاجمة الأراضي الأوروبية في حين أن دول القارة لا تزال تتخذ موقفا حذرا؟ صحيح أن هناك العديد من القواعد الأمريكية في أوروبا تدعم العمليات العسكرية، مثل قواعد في المملكة المتحدة (فايرفورد) أو في ألمانيا (رامشتاين)، وكذلك القاعدة الجوية في إيستر بفرنسا التي تستضيف مؤقتا طائرات التزود بالوقود الأمريكية، “لكن دقة الصواريخ الإيرانية المتوسطة المدى على الأرجح ضعيفة جدا”. إضافة إلى ذلك، للوصول إلى هذه المسافات الطويلة، يتم تقليل الحمولة المتفجرة بشكل كبير، وهذا يعني أن القيمة العسكرية لهذه الصواريخ محدودة، لأنها لا تسمح بضرب أهداف دقيقة، مع خطر كبير لأضرار جانبية غير مسيطر عليها.

لذلك يرى ماركوز هذه الأسلحة ذات طابع “سياسي أكثر من كونها عسكرية”، ولا يمكن استخدامها إلا لضربات عشوائية ضد المدن الأوروبية، ويضيف: “وإذا قامت إيران بذلك فإنها ستدفع الأوروبيين للانخراط في الحرب ضدها” وهو ما لا يخدم مصالحها حاليا. وبالتالي، يمكن تفسير هجوم دييغو غارسيا كرسالة تحذير لأوروبا بعدم التورط أكثر”، ويؤكد أن إيران تمتلك عددا محدودا من هذه الصواريخ بعيدة المدى، وهي تحتاجها أكثر في صراعها مع إسرائيل، وليس مع أوروبا.

الدفاع الأوروبي الصاروخي

هذه الصواريخ الإيرانية بعيدة المدى معرضة للاعتراض خارج الغلاف الجوي، كما حدث في هجوم دييغو غارسيا، حيث تم إسقاط الصاروخ الخطير بواسطة صاروخ اعتراضي من نوع إس إم 3 أطلقته سفينة أمريكية، وفق الباحث الفرنسي إتيان ماركوز، مضيفاً:  “ولحسن الحظ، تمتلك أوروبا نظام دفاع صاروخي عبر منصتي آيغيس أشور في بولندا ورومانيا، مزودتين بصواريخ  إس إم 3. وقد تم اختيار هذين الموقعين خصيصا لمواجهة التهديد الإيراني”.

ويوضح الباحث أن كل موقع يحتوي على رادار متطور و24 منصة إطلاق، أي ما مجموعه 48 صاروخا اعتراضيا لحماية أوروبا. كما يوجد رادار إضافي في تركيا للإنذار المبكر، ويضيف: “صحيح أن هذه الأنظمة تحت إدارة الولايات المتحدة، لكن في حال استهداف أوروبا، سيكون الهدف غالبا قاعدة أمريكية، مما سيدفع واشنطن للدفاع عنها. كما اشترت ألمانيا مؤخرا نظام أرو 3 من إسرائيل وهو نظام دفاعي متقدم مماثل، ما يعزز الحماية الأوروبية.

قاعدة دييغو غارسيا في المحيط الهندي
أطلقت إيران صاروخين باليستيين نحو قاعدة دييغو غارسيا في المحيط الهندي على مسافة نحو أربعة آلاف كيلومتر.صورة من: USAF/dpa/picture alliance

هل يلجأ الناتو إلى الردع النووي: الخط الأخير؟

حتى لو افترضنا أن إيران أطلقت صواريخ على أوروبا، فإن الباحث الباحث الفرنسي إتيان ماركوز يرى أن قدراتها محدودة “ففي الهجوم الأخير، فشل أحد الصواريخ وتم اعتراض الآخر. وحتى لو وصل صاروخ أو اثنان، فإن الأضرار ستكون محدودة جدا”، ويشدد على أن القوة الردعية الحقيقية لا تتحقق إلا باستخدام أسلحة غير تقليدية (نووية أو كيميائية أو بيولوجية)، لكن في هذه الحالة، ستواجه إيران ردا نوويا من فرنسا أو بريطانيا، وفق ما يؤكد الباحث ماركوز، مستشهدا بما قاله الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك عام 2007: “سيتم تدمير طهران خلال دقائق إذا استخدمت سلاحا نوويا“، ويضيف الباحث: “ومن الواضح أن إيران، رغم قوتها، لا تسعى للانتحار”.

ويخلص الباحث إلى أن التهديد موجود “نظريا” “لكنه قابل للسيطرة”، مؤكدا: “هذه الحرب ليست حرب أوروبا، ولا يوجد سبب يدفع إيران لتوسيعها نحوها. لكن يجب البقاء في حالة يقظة، لكن دون مبالغة أو تهويل”.

مهاجمة قاعدة دييغو غارسيا “استعراض قوة”

ويرى ماركوز أن العملية ضد قاعدة دييغو غارسيا “استعراض قوة” أكثر من كونها خطوة ذات تأثير عسكري مباشر. ويؤكد الباحث واعظ أن الضربة تحمل رسالة استراتيجية واضحة للولايات المتحدة وإسرائيل: عدم التقليل من تصميم إيران أو قدراتها رغم الضربات المتواصلة. ويعتقد الخبراء أن الهدف الأساسي هو إعادة تثبيت صورة القوة الإيرانية وإظهار أن قدراتها الصاروخية البعيدة المدى ما تزال فعالة وموجودة رغم الضغط العسكري.

هل يمكن أن تستهدف صواريخ إيران أوروبا؟

ومع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، تشير آراء الخبراء إلى أن الإجابة على السؤال “هل يمكن أن تستهدف صواريخ إيران أوروبا؟” ليست بسيطة، بل تتراوح بين الإمكانية التقنية وعدم وجود نية سياسية واضحة. ففي تصريح للوزير البريطاني ستيف ريد لرويترز مؤخرا أكد الوزير أن الخطر المباشر غير قائم حاليا، حيث قال: “لا توجد أي أدلة على أن إيران ستستهدف أوروبا بالصواريخ” وهذا التصريح يعكس موقفا رسميا حذرا، يعتمد على تقييمات استخباراتية حديثة، ويؤكد أن أوروبا ليست هدفا مباشرا في الوقت الحالي.

 قاعدة رامشتاين العسكرية الأمريكية في ألمانيا - مقاتلة F-35 لتابعة للقوات الجوية الأمريكية
العديد من القواعد الأمريكية في أوروبا تدعم العمليات العسكرية في إيران، مثل قاعدة رامشتاين في ألمانيا.صورة من: Edgar Grimaldo/US Air/ZUMA Wire/IMAGO

من جهة أخرى، يحذر بعض الخبراء العسكريين من تطور القدرات الإيرانية. ففي تحليل نشرته صحيفة ذا وول ستريت جورنال أشار خبراء إلى أن إيران قامت بتوسيع مدى صواريخها بشكل ملحوظ وأن هذه القدرات تضع مدنا أوروبية مثل باريس ولندن وبرلين ضمن نطاقها، وأكد الخبير العسكري داني سترينوفيتش للصحيفة ذاتها أن إطلاق صواريخ بعيدة المدى يعكس استراتيجية أكثر جرأة: “إيران تسعى لإظهار قدرتها على ضرب أهداف أبعد، وربما أوروبا”.

وحذرت مصادر عسكرية إسرائيلية، بحسب تقارير إعلامية، من أن مدنا أوروبية “مثل برلين وباريس وروما قد تكون ضمن مدى الصواريخ الإيرانية”.

وتجمع آراء الخبراء على أن إيران قد تمتلك القدرة التقنية للوصول إلى أوروبا، لكن لا يوجد حتى الآن دليل على نية استهدافها. لذلك، يبقى التهديد نظريا أكثر منه فعليا، مرتبطا بتطورات الحرب والقرارات السياسية في المستقبل. يشار إلى أن إيران كانت قبل أسابيع قد حذرت البلدان الأوروبية من الانضمام إلى الحرب التي تشنها عليها إسرائيل والولايات.

تحرير: عبده جميل المخلافي


Source link
فضل محمد خير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى