
تحول كبير في السياسة الخارجية ينفذه الرئيس الأميركي دونالد ترامب. واستهل ترامب العام الجديد بسلسلة خطوات وُصفت بالهجومية، أبرزها الأمر بتنفيذ عملية عسكرية في فنزويلا مطلع يناير، انتهت بالقبض على الرئيس نيكولاس مادورو ونقله إلى الولايات المتحدة، وسط سقوط أكثر من مئة قتيل. ومنذ ذلك الحين، وسّع الرئيس الأميركي نبرة التهديد، متحدثًا عن الاستعداد لاستخدام القوة ضد دول حليفة وأخرى خصمة على حد سواء.
ولم تقتصر هذه التهديدات على أميركا اللاتينية، إذ جدّد ترامب تأكيده رغبته في السيطرة على غرينلاند التابعة للدنمارك، كما لوّح بإمكانية ضرب إيران في ظل الاحتجاجات الواسعة التي تشهدها الجمهورية الإسلامية. وفي موازاة ذلك، أشار إلى خيارات عسكرية محتملة في المكسيك وكولومبيا، قبل أن يتراجع عنها إثر اتصالات مع قيادتي البلدين.
أميركا أولًا بلا ضوابط تقليدية
عزّز ترامب نهج التفرد في صنع القرار الخارجي، متجاوزًا آليات التشاور التقليدية. وفي هذا السياق، أعلنت إدارته الانسحاب من عشرات الهيئات الدولية، من بينها وكالات تابعة للأمم المتحدة، في خطوة تعكس رفضًا صريحًا لفكرة التعددية الدولية.
وبرّر وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو هذا التوجه بالقول إن عددًا من المنظمات الدولية بات يخدم مشروع عولمة فقدت أسسه الفكرية، في إشارة إلى نظرية نهاية التاريخ. وفي الاتجاه ذاته، قال ستيفن ميلر، أحد أبرز وجوه الإدارة، إن العالم لم يعد تحكمه القيم أو المجاملات، بل القوة والنفوذ والسلطة.
المصالح قبل القيم
هذا التحول عبّر عنه أيضًا غاريد كوشنر، مبعوث الرئيس وصهره، معتبرًا أن الواقعية البراغماتية في السياسة الخارجية تقتضي أحيانًا تغليب المصالح على القيم. ويعكس هذا الطرح قطيعة واضحة مع الخطاب الأميركي التقليدي الذي لطالما ربط التدخلات الخارجية بنشر الديمقراطية.
وتجلّى ذلك في فنزويلا، حيث أعلن ترامب استعداده للتعامل مع نائبة الرئيس ديلسي رودريغيز بعد إزاحة مادورو، متجاهلًا المعارضة، ومعلنًا أن الهدف الأساسي هو السيطرة على النفط، مع التلويح باستخدام القوة لتحقيق ذلك.
في أوروبا، أثارت هذه السياسات قلقًا متزايدًا. فقد حذّر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون من أن النهج الأميركي الجديد قد يشكّل بداية لعصر من الاستعمار الجديد والإمبريالية الجديدة، معتبرًا أن واشنطن تتخلّى تدريجيًا عن بعض حلفائها وتتفلّت من القواعد التي طالما روّجت لها.
تغيير مستديم أم صدمة عابرة
ترى الباحثة ميلاني سيسون من معهد بروكينغز أن الولايات المتحدة نجحت طويلًا في تحقيق أهدافها من دون اللجوء إلى الغزو أو الاحتلال، معتمدة على النفوذ والمؤسسات والتحالفات الدولية. لكنها تحذّر من أن قوى أخرى قد تحاكي اليوم هذا النهج لتحقيق مصالحها الخاصة.
وبرأيها، فإن ترامب يعيد تشكيل السياسة الدولية على نحو مستديم، ما يجعل العودة إلى النظام العالمي لما بعد الحرب العالمية الثانية أمرًا غير مرجّح. في المقابل، يرى بعض الدبلوماسيين أن هذا النظام كان يعاني خللًا بنيويًا منذ سنوات، وأن التغيير بات حتميًا، حتى لو بدا صادمًا في أسلوبه ونتائجه.
Source link



