
لا تقتصر إمكانية الوصول إلى الوثائق وسجلات البيانات التي يتم إنشاؤها في بلديات ألمانيا وكذلك في الإدارات على مستوى الولايات أو المستوى الاتحادي على السلطات المحلية المختصة فحسب، بل إن السلطات الألمانية تستخدم في الغالب برامج حاسوبية يقع مقر مزوديها في الغالب فيالولايات المتحدة.
ويرى المدافعون عن خصوصية البيانات في ذلك تبعية حرجة تنجم عن “قانون السحابة” (CLOUD Act) الأمريكي الذي وقعه دونالد ترامب في ولايته الأولى عام 2018.
بموجب مرسوم أو قرار رئاسي يمكن للحكومة الأمريكية الوصول إلى البيانات الألمانية إذا كانت مخزنة في مساحة تخزين رقمية في الولايات المتحدة. وينطبق ذلك أيضا على البيانات المخزنة في الخارج، إذا كانت الخوادم هناك مملوكة لشركات أمريكية أو شركات تابعة لها.
ويهدف مركز السيادة الرقمية للإدارة العامة في المانيا أو (ZenDiS) باختصار إلى تقديم حلول لتقليل الاعتماد على شركات التكنولوجيا الأمريكية الكبرى مثل مايكروسوفت. ولذلك تعمل الشركة التي يقع مقرها في بوخوم على تطوير بدائل رقمية للمنتجات الأمريكية.
ويقول لوتس نيماير، المتحدث باسم (ZenDiS): “من المحتمل أن تكون جميع البيانات المخزنة في قواعد البيانات الأمريكية معرضة للخطر”. ZenDiS هيئة تابعة ومملوكة بالكامل للإدارة الاتحادية، وحسب نيماير يقع على عاتق الدولة الألمانية في النهاية “واجب ضمان حماية البيانات الحساسة التي يعهد بها المواطنون إلى الدولة”.
وسائل الضغط: تعليمات لشركات التكنولوجيا الأمريكية
تُظهر قضية القاضي نيكولاس غيلو من المحكمة الجنائية الدولية بشكل دراماتيكي ما يمكن أن يحدث عندما يقع شخص ما غير حظوة لدى الحكومة الأمريكية. فبعد أن أصدرت المحكمة مذكرة توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو للاشتباه بارتكابه جرائم حرب في قطاع غزة سرعان ما تبع ذلك فرض عقوبات من جانب الولايات المتحدة.
وهكذا تم إغلاق حسابات القاضي الفرنسي لدى أمازون وباي بال. ولم يعد من الممكن حتى حجز الفنادق في أوروبا عبر وكالة سفر أمريكية، لأن الشركات الأمريكية تُضطر إلى قطع علاقاتها مع الأشخاص الذين تُفرض عليهم عقوبات من قبل الحكومة الأمريكية.
وحسب نيماير قد يكون من بين وسائل الضغط التي تستخدمها الحكومة الأمريكية إصدار تعليمات لشركات التكنولوجيا بالتوقف عن توفير التحديثات. على سبيل المثال عدم توفير تحديثات الأمان أو الوظائف للبرامج التي تعمل بها الإدارات في ألمانيا. “عندها سنصل بسرعة إلى مرحلة لن نكون فيها قادرين على العمل كدولة”. وهذا ينطبق على جميع المستويات بدءًا من البلديات وصولا إلى طوابق الإدارة العليا في مكتب المستشار.
المصدر المفتوح كحل
لذلك بحثت ZenDiS عن بديل للتحرر من الاعتماد على الولايات المتحدة. الحل الذي تم التوصل إليه وطرحه في السوق يسمى “أوبن ديسك” (Open Desk). ويشمل برنامج التعاون هذا مكونات مختلفة مفتوحة المصدر أي أن شفرة المصدر متاحة للجميع.
وباستخدام هذا النوع من البناء المعياري يمكن للمستخدمين الاختيار بين حلول تكنولوجيا المعلوماتومكوناتها ومقدميها.
لم تقم “ZenDiS” بتطوير هذا البرنامج بنفسها، بل قام فريق مكون من 40 شخصا بتحديد العروض الموجودة في السوق الألمانية والأوروبية وتجميعها في حزمة تعمل كواجهة. أو كما تقول باميلا كروستا هارتل: “نقوم بربط الحلول الفردية المختلفة ببعضها البعض وربطها معًا”.
الشركات أيضا ترغب في تحقيق السيادة الرقمية
تأسست “ZenDiS” في عام 2022 بمساعدة تمويل أولي من الحكومة الفيدرالية بلغ 34 مليون يورو. وقد باعت هذه “المؤسسة الفيدرالية ذات الطابع الخاص” حتى الآن أكثر من 160 ألف ترخيص من (Open Desk). وبلغت الإيرادات في العام الماضي 18 مليون يورو نصفها من بيع التراخيص.
كما يوجد اهتمام كبير في القطاع الخاص بالتحرر من الاعتماد على الولايات المتحدة، لا سيما في القطاعات الحيوية مثل قطاع الخدمات المالية. ومع ذلك، حسب نيماير لا يجوز لشركة فيدرالية أن تحقق سوى 20 في المائة من إيراداتها من القطاع الخاص. لكن الشركة تبحث حاليا عن شركاء توزيع “يجعلون حلولنا متاحة للقطاع الخاص دون أن نكون متورطين بشكل مباشر”.
لا تحبذ “ZenDiS” التحدث عن عملائها. تقول كروستا هارتل إنه إلى جانب الهيئات الحكومية على مستوى الولايات والمستوى الاتحادي تواصلت معهم العديد من الشركات المعروفة في الأشهر الأخيرة. وقد جرت مؤخرا محادثة مع شركة اتصالات إسبانية كبيرة من بين أمور أخرى. “لذا فإن الأمر يتجاوز حدود ألمانيا بكثير”.
يثير قلق المدافعين عن خصوصية البيانات اتفاق أبرمته شركة “ار في إي” (RWE) أكبر منتج للكهرباء في ألمانيا مع شركة أمازون قبل بضعة أسابيع. وتتمثل النقطة الأساسية في هذا الاتفاق في أن أمازون مقابل شرائها الكهرباء من “RWE ” تقوم بتخزين بيانات “RWE” وتتيح لها أيضا استخدام تقنية الذكاء الاصطناعي الخاصة بها.
وتؤكد كروستا هارتل: “بشكل عام نحن لا نقيّم اتفاقات التعاون التي تبرمها الشركات فيما بينها”. لكن إذا نظرنا إلى الأمر من منظور مجرد فإن استخدام خدمات السحابة الأمريكية ينطوي في النهاية على مخاطر كبيرة. لا سيما من حيث التعرض للابتزاز السياسي.
“نرى اليوم أن هذا الخطر ليس مجرد خطر نظري، لا سيما عندما نلاحظ القضايا التي يربطها دونالد ترامب ببعضها البعض من أجل فرض مصالحه”، على حد قول كروستا هارتل. كما أنه يعمل بشكل وثيق للغاية مع صناعة التكنولوجيا الأمريكية. وفي هذا الصدد يجب أن يُدرج موضوع السيادة الرقمية دائما في تقييم المخاطر الذي تجريه الشركات.
أعده للعربية. م.أ.م
Source link
فضل محمد خير



