أخبار العالم

فضل محمد خير :”حرب إيران”.. هل يلوح شبح أزمة نفطية على غرار السبعينيات؟

هل سيعود المشاة قريبا إلى التجول على الطرق السريعة الألمانية؟ إن الوضع الحالي في الشرق الأوسط والارتفاع الحاد في أسعار النفط يذكران بأزمتي النفط في عامي 1973 و1979. في ذلك الوقت خفضت الدول العربية المنتجة للنفط إمداداتها فارتفعت أسعار النفط بشكل حاد. واضطرت العديد من الدول الغربية إلى اتخاذ تدابير تقشفية. وقررت ألمانيا من بين أمور أخرى إقامة أربعة أيام أحد خالية من السيارات. وماذا عن اليوم؟

قال فاتح بيرول يوم الاثنين (31 مارس/ آذار 2026) في النادي الصحفي الوطني الأسترالي إننا نواجه “أكبر تهديد لأمن الطاقة في تاريخ البشرية“. ويعتبر رئيس وكالة الطاقة الدولية  أن الأزمة في الشرق الأوسط أسوأ من صدمتي النفط في عامي 1973 و1979 مجتمعتين. وقال بيرول إن الأمر كان يتعلق آنذاك بـ”نقص حوالي خمسة ملايين برميل من النفط يوميا في كل مرة”. “أما اليوم فالأمر يتعلق بـ 11 مليون برميل يوميا”.

كما يقيّم تطورات سوق الغاز بنفس القدر من التشاؤم. وقال بيرول إن كمية العرض المفقود من الغاز على مستوى العالم قد تضاعفت مقارنة بالوضع الذي أعقب الهجوم الروسي على أوكرانيا في عام 2022.

ألمانيا، فاينسبيرغ 1973 | أزمة النفط في السبعينيات | متجولون على جزء من الطريق السريع في الأحد الثالث لحظر القيادة 09.12.1973
تم فرض حظر القيادة أيام الأحد في سبعينيات القرن الماضي بسبب أزمة النفط.صورة من: Michael Moesch/dpa/picture alliance

في سبعينيات القرن الماضي أدى انخفاض المعروض من النفط إلى ارتفاع أسعار النفط وبالتالي ارتفاع أسعار السلع الأخرى، مما أدى في النهاية إلى ارتفاع التضخم. وفي الوقت نفسه انخفض الإنتاج الصناعي والنمو الاقتصادي في الدول الصناعية. ودخلت ألمانيا في حالة من الركود التضخمي.

لم ترتفع أسعار النفط كسبعينيات القرن الماضي

 

أدى الصراع الحالي مع إيران إلى انخفاض المعروض من النفط بنحو 8 في المائة وذلك بسبب إغلاق مضيق هرمز. ويقول كلاوس يورغن غيرن من معهد الاقتصاد العالمي في كيل: “في ذلك الوقت انخفض المعروض العالمي من النفط بنحو 5 في المائة فقط. ومن هذا المنظور فإن الصدمة الحالية أشد بالفعل مما كانت عليه في عامي 1973 و1974”.

ويشير غيرن إلى أن الفرق الجوهري عن سبعينيات القرن الماضي هو أن أسعار النفط ارتفعت آنذاك عدة أضعاف. “في الفترة من 1973 إلى 1974 تضاعفت أسعار النفط أربع مرات. وفي عام 1979 تضاعفت ثلاث مرات مرة أخرى”، كما قال الاقتصادي في حديثه مع DW.  وعلى الرغم من رفع الحظر في أوائل عام 1974 وارتفاع  كمية المعروض من النفط بالفعل فقد حافظت منظمة أوبك على ارتفاع أسعار النفط خلال بقية العقد مع ما ترتب على ذلك من تأثير على الاقتصاد العالمي.

واليوم يبدو الوضع مختلفا. يقول غيرن: “لقد شهدنا أحيانا أسعارا للنفط تجاوزت 100 دولار كان آخرها بعد غزو الروس لأوكرانيا”. لكن أسعار النفط وصلت إلى مثل هذه المستويات المرتفعة أيضا في عامي 2007 و2008 وبعد عام 2011. “في هذا الصدد فإن الوضع الحالي ليس جديدا”، يقول غيرن. “كان الوضع مختلفا في السبعينيات. فقد واجهت الدول المستوردة أسعارا لم تكن معروفة لها من قبل”. ولم يكن أحد يعرف إلى متى ستظل أسعار النفط مرتفعة.

أكبر مجمع للغاز المسال في العالم، راس لفان في قطر قبل الهجوم الإيراني
أكبر مجمع للغاز المسال في العالم، راس لفان في قطر قبل الهجوم الإيرانيصورة من: KARIM JAAFAR/AFP via Getty Images

ويضاف إلى ذلك أن ارتفاع أسعار النفط الحالي ناتج عن انخفاض العرض. ويُعزى هذا الانخفاض في العرض إلى حصار   مضيق هرمز وما تبعه من إيقاف تشغيل منشآت الإنتاج وليس إلى أن أضرار الحرب قد جعلت الإنتاج مستحيلا.

لذلك يعتقد غيرن أنه يمكن الافتراض بأن العرض والأسعار سيعودان إلى مستويات ما قبل الحرب عند انتهاء الصراع. كما ذكرت “دويتشه بنك ريسيرتش” أن الأسواق لا تزال لا تتوقع حدوث صدمة نفطية مستمرة.

البنية التحتية للطاقة تضررت أو توقفت

 

بعض الأضرار الناجمة عن الهجمات الإيرانية موجودة بالفعل. قال بيرول إن أكثر من 40 منشأة طاقة في تسعة بلدان في الشرق الأوسط تعرضت لأضرار جسيمة. وحتى لو انتهت الحرب وأمكن للسفن العودة إلى ممر هرمز فسوف يستغرق الأمر “وقتا طويلا” حتى يمكن إعادة تشغيل حقول النفط والغاز المتضررة أو المتوقفة. “سيستغرق الأمر ستة أشهر بالنسبة لبعضها وأطول بكثير بالنسبة لغيرها”، حسبما صرح بيرول لصحيفة فاينانشال تايمز.

على سبيل المثال أعلنت قطر أن الهجمات الإيرانية على أكبر مجمع للغاز الطبيعي المسال في العالم وحدها قد تؤدي إلى انخفاض إمدادات الغاز المسال بنسبة 17 في المائة لمدة تتراوح بين ثلاث وخمس سنوات.

يضع كريستوف رول من جامعة كولومبيا في نيويورك هذه التصريحات في نصابها الصحيح. فهو يرى أننا لن ندخل في أزمة خطيرة إلا إذا استمر حصار مضيق هرمز لفترة أطول بالفعل وتم تدمير المزيد من ناقلات النفط. وفيما يتعلق بقطر على سبيل المثال يشير إلى أن حوالي 20 في المائة من  الغاز العالمي يأتي من هناك. وبذلك فإن 4 في المائة فقط من إجمالي الغاز العالمي سيتأثر بالأضرار في قطر وفقا لرول.

تدابير طارئة لتلبية الطلب على النفط

 

كما أن سوق النفط اليوم أكثر تنوعا بكثير مقارنة بالسبعينيات. ففي حين كانت دول منظمة أوبك توفر في عام 1973 أكثر من نصف النفط الخام في العالم فإن حصتها الآن لا تتجاوز 36 في المائة بقليل. وكانت الولايات المتحدة الأمريكية آنذاك أكبر دولة منتجة للنفط ولا تزال كذلك. لكنها حققت نموا قويا مرة أخرى خلال العشر سنوات الماضية حيث وفرت العرض الإضافي من النفط في السوق العالمية بشكل شبه كامل (90 في المائة).

الاحتياطيات الاستراتيجية من النفط في هولندا بميناء روتردام
الاحتياطيات الاستراتيجية من النفط في هولندا بميناء روتردامصورة من: Jasper Juinen/dpa/picture alliance

على الرغم من أزمات النفط التي جعلت الغرب يشعر بشكل مؤلم في سبعينيات القرن الماضي بمدى اعتماده على الشرق الأوسط ونفطه استمر الطلب على النفط في الارتفاع. ففي حين كان العرض العالمي في عام 1973 أقل من 60 مليون برميل يوميا وصل في عام 2022 إلى ما يقرب من 94 مليون برميل يوميا.

ولكن لضمان تلبية هذا الطلب تم اتخاذ تدابير طارئة وتكوين  احتياطيات نفطية. وحسب وكالة الدولية للطاقة بلغت هذه الاحتياطيات العالمية من النفط في بداية هذا العام 8.2 مليار برميل وهو أعلى مستوى لها منذ فبراير 2021.

وهي تتيح التخفيف من حدة النقص الحالي في العرض من الشرق الأوسط. وقد تم بالفعل الإفراج عن جزء من احتياطيات النفط للحد من انخفاض إمدادات النفط من الشرق الأوسط من 11 مليون برميل يوميا إلى 8 ملايين برميل يوميا. وللتخفيف من حدة نقص العرض قامت الولايات المتحدة أيضا بتعليق العقوبات المفروضة على النفط الروسي ⁠والإيراني الموجود بالفعل في البحر مؤقتا.

وحسب تقرير صادر عن كومرتس بنك ريسيرتش فإن الفضل يعود إلى هذه الاحتياطيات في عدم ارتفاع أسعار النفط أكثر من ذلك على الرغم من أن السوق كانت تتوقع على الأرجح على الأقل مؤقتا  حربا تستمر لعدة أشهر. كما قامت الدول الأعضاء في الوكالة الدولية للطاقة  خلال العشر سنوات الماضية بتكوين مخزونات أكبر من الغاز للتخفيف من حدة أي نقص في الإمدادات.

الأمر يتوقف على مدة الحرب مع إيران

 

“إذا أخذنا في الاعتبار مخزونات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية سواء التجارية أو الاستراتيجية فإنها قد تعوض انقطاع إمدادات النفطعبر مضيق هرمز لمدة تسعة أشهر تقريبا”، كما صرح كارستن فريتش، محلل السلع الأساسية في كومرتس بنك لـ DW.

وأضاف فريتش أن الصين أيضا قامت بتكوين احتياطيات استراتيجية وتجارية يمكنها تغطية احتياجات الصين من الواردات من الشرق الأوسط لمدة سبعة أشهر تقريبا.

ومن غير الواضح على الإطلاق إلى متى ستستمر الحرب مع إيران. صحيح أن دونالد ترامب أعلن مؤخرا عن إجراء محادثات “مثمرة” مع إيران لكن الأخيرة تنفي ذلك. وبالتالي من غير الواضح أيضا كيف سيتطور العرض من النفطوالغاز على المدى الطويل.

ألمانيا، ميونخ | أسعار الوقود | محطة وقود في ميونخ بأسعار قياسية 20.03.2026
تنعكس أسعار النفط المرتفعة في ارتفاع الأسعار في محطات الوقودصورة من: Frank Hoermann/Sven Simon/IMAGO

وحتى لو لم تكن الأوضاع حاليا سيئة بقدر ما كانت عليه في السبعينيات فقد بدأ الاقتصاد يشعر  بآثار الحرب مع ايران: “سنشهد أمرين: ارتفاع التضخم على المدى القصير وتراجع الإنتاج لأن استهلاك النفط سيتم خفضه قدر الإمكان”، كما يقول غيرن.

بينما تستمر جميع المركبات في السير على الطرق السريعة في ألمانيا تم بالفعل اتخاذ تدابير في بعض الدول لتوفير الطاقة. فقد أصدرت باكستان على سبيل المثال تعليمات لمشجعي بطولة الكريكيت الأهم لديها بالبقاء في منازلهم ومتابعة المباريات عبر التلفزيون لتوفير الوقود. وبذلك سيصبح الدوري الباكستاني الممتاز وهو أكبر حدث رياضي في البلاد حدثا عبر الإنترنت هذا العام.

أعده للعربية: م.أ.م

تحرير: عادل الشروعات


Source link
فضل محمد خير

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى